ابن حزم
33
جوامع السيرة النبوية
من الشعير والتمر ، ويضع سائر ذلك في سبيل اللّه تعالى . لا يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه ، ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى يحتاج قبل انقضاء العام . يخصف النعل ، ويرقع الثوب ، ويخدم في مهنة أهله ، ويقطع اللحم معهن . أشد الناس حياء ، لا يثبت بصره في وجه أحد . يجيب دعوة العبد والحر . ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب ، ويكافئ عليها ويأكلها ولا يقبل الصدقة ولا يأكلها . تستتبعه الأمة والمسكين ، فيتبعهما حيث دعواه . ولا يغضب لنفسه ، ويغضب لربه ، وينفذ الحق وإن عاد ذلك بالضرر عليه وعلى أصحابه . عرض عليه الانتصار بالمشركين ، وهو في قلة وحاجة إلى إنسان واحد يزيده في عدد من معه ، فأبى وقال : إنا لا نستنصر بمشرك . ووجد أصحابه قتيلا من خيارهم وفضلاء أصحابه ، يهد البلاد العظيمة والعساكر الكثيرة فقد مثله منهم ، فلم يحف « 1 » لهم من أجله على أعدائه من اليهود الذين وجده مقتولا بينهم ، بل وداه مائة ناقة من صدقات المسلمين ، وإن بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به . وودى بنى جديمة ، وهم غير موثوق بإيمانهم ، إذ وجب بأمر اللّه تعالى ذلك .
--> ( 1 ) في الأصل : يجف . وحاف عليه : ظلمه وجار عليه .